العوَّامون
للمصريين وطن آخر، يموج بالرموز والمعاني، ويحتشد بسكانه السفليين المنفلتين من ربقة الفهم وضرورات العادة ومستقرات التعليل، هو وطن الضد والخيال والحرية، وهو وطن الصدفة العمياء، وجمال الشر، وعشوائية الأرزاق بهبات العشق الممسوس أو الخيال المقتدر على شق الحجب ومعرفة المغيبات، أو شفافية الأجساد المسكونة والأرواح المتحولة والمخلوقات المهجنة، وطن تعني فيه عقدة الحبل أو تشابك أطراف الخرقة أو عثرة القدم أو رش الماء في الظلام أو الدخول المفاجئ إلى خلاء البيوت والطواحين وأماكن الراحة والاستحمام والمقابر آلاف المعاني والدلالات وآلاف التأثيرات والتحولات والعكوسات، وطن تستطيع الأجساد أن تتبادل الفعل والانفعال – على البعد – بالنوايا أو تخطي الأصول، بالمشاهرة ينضب لبن المرضع أو يمتنع الحمل لدخول امرأة، وبالحيض يجف النبات والضروع وينقطع الثمر، بالجنابة يتيبس الأخضر، وبغير البسملة والحوقلة تعصف أهوال الباطن بالظاهر ويخترق الشفاف المعتم، وبطقوس الشبشبة من تعرية الفروج تحت النجوم ولطمها بالشبشب وحلب القمر كما تحلب البهائم تستطيع العجائز إنزال أهوال التعذيب حتى القتل بالغريمات، وبالأخص إن كن شابات جميلات على وشك الزواج وتذوق عسيلة الرهز والهنك والرنك، هو وطن لا يعرفه أحد إلا عرافوه ومالكو أسراره وأطباؤه وأصحاب الحظوة عند أهله السفليين، وهو الوطن الوحيد الذي أبقى أجيال المصريين تتناسل ويزدحم بها المكان وتتدافع الأزمنة، وهل كان ممكنًا أن يحتمل أي شعب في العالم مذلة الصبر على الطغيان والهوان والهزائم، وهل كان ممكنًا هذا الطفح البهيج من المرح بالنكتة والقفشة ولاذع القافية الساخرة وبرطعة المهارشات الضاحكة في قلب الخراب والقهر والأمية ووحشية العراتب الجهنمي للتسلط والقمع واحتكار الحياة إلا بهذا الوطن السري البديل، بدوامه ورسوخه وانفلاته الحر!
وهو وطن حر منفلت في فضاءات الخيال والشبق والإرادة والإنسان المطلق، فلم يستطع خدشه أو تشويهه انعدام الأخلاق بين المثقفين، ولم تزلزل هياكله خيانات المتعلمين المنهزمين، ولم يلن بالخنوع والخضوع أمام عسف الطغاة والمستلطين الصغار والكبار، ولم تهتك أسراره جماعات ولا صحف، ولا ثرثرة، وهو يتجلى بخفائه ورسوخه المقاوم في كل شيء وعلى الرغم من كل شيء.
كانت أول ثغرة ضيقة في جدار هذا الوطن العجيب أطل منها على مناخاته السرية في زمن الطفولة البادئة بمحض المصادفة.. ففي حاكورتنا الضيقة المتعرجة يقع بيت خليفة جمعة، طبال القرية، ومعه جوقته الفقيرة قليلة العدد: سبسب أو أرغول مع علي الظربي ومزمار مع طلبة أو عبد السلام أو غيرهما ورقٌ ذو شخاليل من النحاس الأصفر ومغنون يتبدلون.
بعد صلاة الجمعة مباشرة تبدأ وفود النساء – شابات وعجائز ومثنى وثلاث تتوافد وتسبقهن أنسام معطرة بفاقع العطر الحريمي الرخيص، وتحت أثوابهن القطنية ورمش العين والساتان الأسود تلمع أطراف القمصان الحريرية المزركشة الشفافة، وفي أكفهن وأطراف أصابعهن وكعوب أقدامهن بقع الحناء الوردية والداكنة، ومن بيت خليفة جمعة تبدأ أنغام الزار في التصاعد وتسارع الإيقاعات، ومع غناء شجي لا أميز فيه إلا: “يا سفينة البحر يا عوامة”.
كان أبي يمنعني بعنف من مقاربة البيت أو استراق السمع والنظر، ويردد على سمعي أبياتًا من الشعر في ذم الزار وأهله لا أذكر منها إلا شطرة تقول: “لماذا الزار لم يأت النصارى”، وكانت أمي ترددها كذلك.
ثقل علي الفضول واستبدت بي الرغبة في اكتشاف ما يدور في بيت خليفة جمعة، حتى استطعت الإفلات من المراقبة الصارمة، ودخلت وراء امرأة قبل إغلاق الباب، فأخذتني رعدة الدهشة بما أرى:
النساء – شابات وعجائز – خلعن أثوابهن السود عن قمصان حريرية ملونة شفافة تكشف كل الجسد، وانتظمن في دائرة وهن يرقصن ويتمايلن مغمضات الأعين، ورءوسهن تتمايل عكس حركة أجسادهن، ومن أنهكها الرقص انحرفت عن مسار الدائرة ودخلت إلى قلبها وجلست ترقص وهي تطور بيديها وجسدها كمن تعجن أو تحتضن الأشباح، بعضهن يتنهد بصوت عال منغوم، وبعضهن يشهق بالبكاء، وبعض أفراد الجوقة يسند المتهالكة أو يربت على الظهر أو الوجه.
كنت منزويًا في الركن أكاد أختنق بالإيقاعات والروائح ووهج الألوان وفحيح الأجساد، حتى لمحني خليفة جمعة، فسارع بطردي وإغلاق الباب ورائي وأنا على وشك الإغماء.
وفي عصر الجمعة من كل أسبوع، ما أكاد أسمع: “يا سفينة البحر يا عوامة” حتى يتحول بيت خليفة جمعة إلى سفينة متألقة بالروائح والقمصان الشفافة وخفة الأجساد وهي تضطرب في صخب موج من الإيقاعات الرجراجة، وأرواح نساء ينفلتن من فظاظة التعبير الشائع “هن بلغة في قدم الرجل” إلى تخوم الوطن الآخر.
سألت أمي: لماذا تذهب النساء إلى الزار؟ قالت: دع الملك للمالك.
حين كبر ابن خليفة جمعة اكتشف أبوه أنه بلا موهبة ولا نفع منه في مملكة السفينة العوامة، فأرسله ليعمل فراشًا في مدرسة بالقاهرة، وكان يأتي بقامته الفارعة الهزيلة بين وقت وآخر، بجلبابه الأبيض وطاقيته المزهرة وحذائه اللامع، وفي ليلة من ليالي الصيف قدم لأبيع هدية من القاهرة، وما كاد أبوه يضع قدمه في الحذاء الجديد حتى صرخ صرخة مدوية فأسرع إليه الجيران، وعرفنا أن الحذاء كانت به عقربة شرسة لدغته، قال قائل وهو يضحك: “خلّي العفاريت تنفعه”، وجاء أحد المشايخ يبصق على الجرح، ويضع قطعًا من لحم الحمام المذبوح ويتمتم بالتعاويذ ويمص مكان اللدغة، وشفي خليفة جمعة، ولكنه مات بعد أشهر قليلة، فانتقلت سفينة البحر العوامة إلى بيت علي الظربي، ثم إلى بيت الشيخة عيشة، وكلما سمعت فجاجة العبارة المتنطعة المتواطئة “عمار يا مصر” أو رأيت وسمعت مهارشة الانحطاط المثقف، انصرف سمعي ووعيي إلى “سفينة البحر العوامة”.
من “أوائل زيارات الدهشة: هوامش التكوين”.